محمد الريشهري

2140

ميزان الحكمة

ومن نفسه ، حيث يقول تعالى : * ( وما يضل به إلا الفاسقين ) * فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدما عليه ، هذا . ثم إن الهداية والإضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى على عباده السعداء والأشقياء ، فإن الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عباده بأنه يحييهم حياة طيبة ، ويؤيدهم بروح الإيمان ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويجعل لهم نورا يمشون به ، وهو وليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه ، والملائكة تنزل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك . ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، ويطمس وجوههم على أدبارهم ، ويجعل في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، ويجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فيغشيهم فهم لا يبصرون ، ويقيض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ، ويزينون لهم أعمالهم وهم أولياؤهم ، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون ، ويملي لهم إن كيده متين ، ويمكر بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . فهذا نبذة مما ذكره سبحانه من حال الفريقين ، وظاهرها أن للإنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ذات أصول وأعراق يعيش بها فيها ، وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجاب ، ويظهر من كلامه تعالى أيضا أن للإنسان حياة أخرى سابقة على حياته الدنيا يحذوها فيها كما يحذو حذو حياته الدنيا فيما يتلوها ، وبعبارة أخرى : إن للإنسان حياة قبل هذه الحياة الدنيا وحياة بعدها ، والحياة الثالثة تتبع حكم الثانية والثانية حكم الأولى ، فالإنسان وهو في الدنيا واقع بين حياتين : سابقة ولاحقة ، فهذا هو الذي يقضي به ظاهر القرآن . لكن الجمهور من المفسرين حملوا القسم الأول من الآيات وهي الواصفة للحياة السابقة على ضرب من لسان الحال واقتضاء الاستعداد ، والقسم الثاني منها وهي الواصفة للحياة اللاحقة على ضروب المجاز والاستعارة ، هذا . إلا أن ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك : أما القسم الأول وهي آيات الذر والميثاق فستأتي في مواردها ، وأما القسم الثاني فكثير من الآيات دالة على أن الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال وعينها ، كقوله تعالى : * ( لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) * ( 1 ) ، وقوله تعالى : * ( ثم توفى كل نفس ما كسبت . . . الآية ) * ( 2 ) ، وقوله تعالى : * ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ) * ( 3 ) ، وقوله تعالى : * ( فليدع ناديه * سندع الزبانية ) * ( 4 ) ، وقوله تعالى : * ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير

--> ( 1 ) التحريم : 7 . ( 2 ) البقرة : 281 ، 24 . ( 3 ) البقرة : 281 ، 24 . ( 4 ) العلق : 17 ، 18 .